من أسرار آيات الصيام في القرآن

خطبة جمعة لفضيلة الشيخ مرشد معشوق الخزنوي

الحمد لله الذي أنشأ خلقه وبرى ، وقسم أحوال عباده غناً وفقرا ، وأنزل الماء وشق أسباب الثرى ، أحمده سبحانه فهو الذي أجر على الطائعين اجرا ، وأسدل على العاصين سترا ، وهو سبحانه وحده الذي يعلم ما في الليل وما تحت الثرى ، ولا يغيب عن علمه دبيب النمل في الليل إذا سرى ، سبحت له السموات واملاكها ، وسبحت له النجوم وأفلاكها ، وسبحت له الأنهار وأسماكها ، وسبحت له الارض وسكانها ، وسبحت له البحار وحيتانها ، وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه انه قال : ما من يوم إلا وينادي القبر على ابن آدم بخمس كلمات تقول له ، يابن آدم تمشي اليوم على ظهري وغداً ستنام في بطني ، ابن آدم تفرح اليوم على ظهري وغداً ستحزن في بطني ، ابن آدم تضحك اليوم على ظهري وغداً ستبكي في بطني ، ابن آدم تعصي الله على ظهري وغداً ستعذب في بطني ، ابن آدم تأكل اليوم على ظهري وغداً سيأكلك الدود في بطني .

وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله ، وخاتم أنبيائه فلا نبي بعده ، يقول في الحديث الصحيح ، إن في الجنة باباً يقال له الريان ، ينادى يوم القيامة أين الصائمون ، فإذا دخل اخرهم اغلق ذلك الباب ، اللهم فصلي وسلم وبارك على هذا النبي الكريم ، صاحب الخلق العظيم ، وعلى آله واصحابه ومن سار على نهجه الى يوم الدين .

اوصيكم عباد اله بتقوى الله ، فمن رغب في سنة محمد وصل ، ومن رغب عن سنته غوى وخسر وضل وانفصل ، ايها الاحبة : بعد أيام يطالعنا هلال رمضان ، ورمضان خمسة أحرف ، الراء والميم والضاد والالف والنون ، الراء من رمضان رحمة ، والميم مغفرة ،والضاد ضمان للجنة ، والألف أمان من النار ، والنون نور من الله العزيز الغفار ، رمضان جامعة الخير كله ، لأننا نكون في صياف الرب العفو الفغور أصبحت ضيف الله في دار الرضا

وعلى الكريم كرامة الضيفان

تعفو الملوك عن النزيل بساحهم

كيف النزول بساحة الرحمن

أيها السادة : أربعة أسئلة هي محور لقائنا اليوم ، السؤال الأول كم مرة ذكر الصيام في القرآن الكريم ؟ ، والثاني لماذا وضع الله الصيام بين الايمان والتقوى ؟ ، والثالث لماذا وضع الله آية الدعاء بين آيات الصيام ؟ ، والرابع كيف نصوم ، فمع اللقاء الخامس والعشرين نحاول بحول الله وقوته أن تجاوب على هذه الاسئلة .

كم مرة ذكر الصيام في القرآن الكريم ؟ ، ذكر الله الصيام في القرآن الكريم أربع عشرة مرة ، سبع مرات في سورة البقرة وحدها ، ومرة في سورة النساء ، ومرتين في سورة المائدة ، ومرة في سورة مريم ، ومرتين في سورة الاحزاب ، ومرة في سورة المجَادَلة أو المجَادِلة .

أما السؤال الثاني والثالث والرابع فنمهد لهم بقول ربنا جل في علاه في سورة البقرة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) سورة البقرة

وبعد ذلك انتقل الى السؤال الثاني ، لماذا وضع الله الصيام بين الايمان والتقوى في قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) يا أيها الذين آمنوا ، لم يقل يا أيها الناس ، ولم يقل يا عبادي كتب عليكم الصيام ، إنما خاطب المؤمنين بالذات لأن الذي يستجيب لأمر الله هو المؤمن عندما يسمع الله ينادي عليه يقول لبيك ربي ها أنا ذا واقف بين يديك ، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأيمان أولاً والصيام ثانياً والتقوى ثالثاً ، فلماذا جاء الصيام بين الإيمان والتقوى ، ولكي نجيب على هذا السؤال لا بد لنا أن نسأل سؤالين أثنين ما هو الايمان وما هي التقوى ثم نسأل سؤالاً ثالثاً ما محل الايمان وما محل التقوى .

أما الايمان فهو ان نؤمن بكل ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وكلمة الايمان هنا معناها التصديق ، التصديق بماذا ؟ ، بكل ما جاء به سيد الرسل أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، هذا هو الايمان ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) سورة البقرة .

فما هي التقوى يفسرها لنا الامام علي كرم الله وجهه وهو ربيب بيت النبوة الذي تربي في حجر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، يفسر لنا الامام علي التقوى بأربع كلمات فيقول { التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضى بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل } وهي كما عرفها ابن مسعود رضى الله عنه: { أن يطاع الله فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر } .

الايمان تصديق بالقلب ، والتقوى محلها بالقلب ، فقد أشار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الى صدره وقال : { التقوى هاهنها } الايمان محله القلب ، ليس الايمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ، والتقوى محلها القلب والايمان في القلب ، وكذلك الصيام سر بينك وبين ربك لا يعلمه إلا هو .

فإذا كان الايمان أمراً سرياً ، وكانت التقوى امراً سرياً ، وكان الصيام أمراً سرياً ، فناسب ذلك أن يأتي الصيام بين الإيمان والتقوى ، لأن الثلاثة أمور سرية لا يطلع عليها إلا علام الغيوب ، ولذلك اسمع الى قول مولانا في الحديث القدسي يؤكد سرية الصيام فيقول « كلُ عمل ابنِ أدمَ له، إلا الصومِ فإنه لي وأنا أجزى به، والصيام جُنَّةٌ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يُرْفُثْ، ولا يَصْخَب، فإن شاتمه أَحَدٌ أو قاتله، فليقل : إنى صائم ، إنى صائم، والذى نفس محمدٍ بيده، لخَلُوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فَرِحّ بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه » متفق عليه .

أما السؤال الثالث لماذا وضع الله أية الدعاء بين أيات الصيام ، لما وضعت الآية (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) سورة البقرة ، الآية التي قبلها (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ … الآية ) والآية التي بعدها ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) فلماذا جاءت بين الآيتين آية الدعاء ، ولهذه الآية قصة لابأس من ذكرها ، عندما جاء إعرابي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ، يا محمد أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ ، وقبل أن يجيب مبعوث العناية الإلهية كان أمين وحي السماء يجوب الأفاق بقول الله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة ، ولنا في هذه الآية وقفة ، لماذا اختلفت هذه الآية بالذات عن جميع آيات السؤال الموجهة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن ، أي سؤال وجه الى النبي في القرآن جاءت الاجابة ، قل ، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) 216 البقرة ، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) 219 البقرة ، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) 189 البقرة ، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ) 105 سورة طه ، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) 85 سورة الإسراء ، أما أية الدعاء (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ) فلم يقل قل لهم إني قريب ، إنما تولى الله الإجابة بنفسه وقال ( فَإِنِّي قَرِيبٌ ) حتى لا يكون بين العبد وبين الله أي واسطة في الدعاء ، فإذا سألت فقل يا الله ، وإذا استعنت فقل يا بالله ، إذا جلست على فراش المرض فقل يا الله ، واذا جاءك ملك الموت فقل يا الله .

فلماذا جاءت آية الدعاء بين أيات الصيام والجواب من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد ) .

اما السؤال الرابع ما الصيام وكيف نصوم فسأحاول أن إجيب على هذا السؤال بشي من الاختصار ، فأقول : أحبتى في الله:

أولاً معنى الصيام ، الصيام لغةًّ: هو الإمساك والكفُ عن الشيء كما قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : ( إني نذرت للرحمن صوماً ) أى إمساكاً عن الكلام وأما شرعاً فهو الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الى غروب الشمس مع النية .

ثانياً : أركانَ الصيام

الركن الأول – النية : وهى ركن في جميع العبادات وهى عمل من أعمال القلب لقوله سبحانه:(( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )) 5 سورة البينة ، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب: « إنما الأعمال بالنيات وإنما لك امرئ ما نوى » متفق عليه .

ويرى جمهور الفقهاء تبيت النية ليلاً فى صيام الفرض لما رواه أصحاب السنن بسند صحيح عن حفصه رضى الله عنها أن النبى قال : « من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له »

وهنا سؤال : هل تكفى نية واحدة لصيام الشهر كله ؟

والجواب أن العلماء قد اختلفوا فى ذلك على قولين :

الأول : للمالكية حيث قالوا بأن نية واحدة فى اول الشهر تكفى لصيام الشهر كله.

أما القول الثانى وهو الراجح والله تعالى أعلى وأعلم وهو قول جمهور الفقهاء حيث قالوا لابد من تبييت النية لكل يوم.

الركن الثانى – الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس :

لقوله سبحانه : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ )187 سورة البقرة

والمراد بالخيط الأبيض . والمراد بالخيط الأسود سوادُ الليل كما ورد فى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولا شك أن الركن الثالث هو الصائم نفسُه ويشترط أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً قادراً على الصوم وهذا بَيّن للجميع بإذن الله.

ثالثاً : مبطلات ُ الصيام

ونبدأُ بأشدها وأكبرها إثماً وهو :

أولاً : الجِماع :فمتى جامع الصائمُ فى نهار رمضان بَطل صومُه ووجب عليه القضاءُ والكفارة المغلظة وهي ، عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يُفطر بينهما إلا لعذر شرعى ، كأيام العيدين ، أو لعذر حسى كالمرض ، فإن أفطر لغير عذر ولو يوماً واحداً ألزمه أن يستأنف الصيام من جديد مرة أخرى ليحصل التتابع ، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.

وأختلف الفقهاء فى حكم الكفارة هل هى على الترتيب أم على التخيير والراجح أنها على الترتيب وهو ما ذهب إليه الجمهور.

والدليل على ذلك ما رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى

الله عنه قال : «بينما نحن جلوس عند النبي إذا جاءه رجل فقال : يارسول الله

هلكت .! فقال النبى : مالك ؟ ، فقال : وقعت على أمراتى وأنا صائم ، فقال رسول الله : هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ ، قال : لا ، قال : فهل تجد إطعام ستين مسكيناً ؟ ، قال : لا .

قال : فمكث النبى فبينما نحن على ذلك أتى النبى بعرق (أى بمكتل)

فيها تمر ، فقال النبى : أين السائل ، فقال : أنا يا رسول الله ، قال : خذ هذا فتصدق به

فقال الرجل : على أفقر منى يا رسول الله ؟ ! فو الله ما بين لابيتها (أى المدينة)

أهل بيت أفقر من أهل بيتى ، فضحك النبى حتى بدت أنيابه ثم قال : أطعمه أهلك» متفق عليه

ثانياً : إنزال المنى باختياره بتقبيل أو لمس استمناء باليد أو غير ذلك : لأن هذا كله من الشهوة التى لا يكون إلا باجتنابها كما فى الحديث القدسى الذى رواه البخارى وفيه : «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلى» رواه البخاري

* فمن أنزل منياً بشهوة فى نهار رمضان بطل صومه ، ووجب عليه القضاء فقط إذ لم تثبت الكفارة إلا فى الجماع فقط .

* أما الإنزال بالاحتلام . فلا يبطل الصوم لأن الاحتلام بغير اختيار من الصائم ، فإذا نام الصائم فى نهار رمضان ثم استيقظ ، فرأى أنه قد أحتلم، فليغتسل وليتم صومه وصيامه صحيح ولا شئ عليه.

* أما إن قبل الصائم زوجته أو باشرها بدون إنزال فلا شى عليه ، وصيامه صحيح لما ورد فى الصحيحين من حديث عائشة رضى الله عنها » أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه» متفق عليه

* ويبقى سؤال هام متعلق بهذا البحث وهو : ما حكم من جامع زوجته فى الليل ثم نام ولم يغتسل حتى أذن الفجر

والجواب أن صيامه صحيح لما رواه البخارى ومسلم عن عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما أن النبى كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم » متفق عليه .

ثالثاً : من مبطلات الصيام الأكل والشرب عمداً :

لقوله تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ )187 البقرة .

أما من أكل أو شرب فى نهار رمضان ناسياً فلا شئ عليه ، وصومه صحيح للحديث الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة أن النبى قال «من نسى وهو صائم ، فأكل أو شربَ فليتم صومَه ، فإنما أطعمه الله واسقاه»

رابعاً : من مبطلات الصيام القــئُ عمداً :

وهو أن يتعمد الصائم إفراغ ما فى معدته فإن فعل ذلك بطل صومه ويجب عليه القضاء ، أما من غلبه القئ بدون رغبةٍ منه ولا اختيار فلا شئ عليه وليتم صومه وصيامهُ صحيح.

خامساً : من مبطلات الصيام الحيـــضُ والنفـــاس ُ للمرأة:

فمتى رأت المرأة دم الحيض أو النفاس بطل صومها ، سواء كان فى أول

اليوم ، أو فى آخره ، ولو قبل الغروب بلحظات ، ويجب عليها بعد الطهر أن

تقضى ما فاتها من أيامها.

رابعاً : رَخص الصيام وآدابـهُ

هناك رخص عديدة أمتن الله بها على عباده دفعاً للحرج ورفعاً

للمشقة… ومنها :

1- جواز الفطر فى نهار رمضان للمريض وكذا للمسافر الذى يشق عليه الصوم لقوله تعالى : ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر )

2- ومن الرخص أيضاً المضمضةُ والاستنشاق بدون مبالغة ، خشية أن يصل شئ من الماء إلى الحلق فيبَطُلُ صومه بذلك ، للحديث الذى رواه الترمذى والنسائي وأبو داود وأحمد من حديث لقيط بن صبرة أن النبى ، قال له : « وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً» .

3- ومن الرخص أنه يجوز للمرأة أن تتذوق الطعام أثناء الطهى بشرط ألا

يصل إلى جوفها.

4- ومن الرخص أيضاً أنه يجوز للصائم إن احتاج أن يضع الدواء في أذنه أو عينه، حتى ولو وجد طعمه في حلقه، لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب ولا بمعنى الأكل والشرب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

وكذا يرخص للصائم إن كان مريضاً بالربو أن يستخدم البخاخ في حال أزمة في النفس وليتم صومه، وصيامُه صحيح لأن هذا البخاخ ليس أكلاً ولا شرباً ولا هو بمعنى الأكلِ و الشرب أيضاً ولله الحمد والمنة.

اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .