رمضان وعلاقتنا به وكيف نستقبله

خطبة جمعة لفضيلة الشيخ مرشد معشوق الخزنوي

الحمد لله الذي أنشأ خلقه وبرى ، وقسم أحوال عباده غناً وفقرا ، وأنزل الماء وشق أسباب الثرى ، أحمده سبحانه فهو الذي أجر على الطائعين اجرا ، وأسدل على العاصين سترا ، وهو سبحانه وحده الذي يعلم ما في الليل وما تحت الثرى ، ولا يغيب عن علمه دبيب النمل في الليل إذا سرى ، سبحت له السموات واملاكها ، وسبحت له النجوم وأفلاكها ، وسبحت له الأنهار وأسماكها ، وسبحت له الارض وسكانها ، وسبحت له البحار وحيتانها ، وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه انه قال : ما من يوم إلا وينادي القبر على ابن آدم بخمس كلمات تقول له ، يابن آدم تمشي اليوم على ظهري وغداً ستنام في بطني ، ابن آدم تفرح اليوم على ظهري وغداً ستحزن في بطني ، ابن آدم تضحك اليوم على ظهري وغداً ستبكي في بطني ، ابن آدم تعصي الله على ظهري وغداً ستعذب في بطني ، ابن آدم تأكل اليوم على ظهري وغداً سيأكلك الدود في بطني .

وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله ، وخاتم أنبيائه فلا نبي بعده ، يقول في الحديث الصحيح ، إن في الجنة باباً يقال له الريان ، ينادى يوم القيامة أين الصائمون ، فإذا دخل اخرهم اغلق ذلك الباب ، اللهم فصلي وسلم وبارك على هذا النبي الكريم ، صاحب الخلق العظيم ، وعلى آله واصحابه ومن سار على نهجه الى يوم الدين .

اوصيكم عباد اله بتقوى الله ، فمن رغب في سنة محمد وصل ، ومن رغب عن سنته غوى وخسر وضل وانفصل ، أيها الاحبة :

عائلة مكونة من زوج وزوجة وابن كبير وابن صغير ، اتصل بهم بعد طول فراق قريب عزيز لهم يبلغهم بقدومه اليهم غداً ضيفاً ، وجلست العائلة تناقش الأمر ، الإبن الكبير تمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة ثم قال ما هذا الامر انها عادة قديمة متخلفة وتقليد بال ، بينما غرق الابن الصعير في فرحه وقال انها فرصة جميلة فبقدوم القريب ضيفاً علينا سيمتلئ البيت بانواع الاطعمة والحلويات ، وراحت الزوجة تعبر عن حالة الغضب تقول لست خدامة اريد ان ارتاح ، بينما ذهب الزوج يهدأ من روعهم ويذكرهم بأنها من جميل قدر الله أن وفقهم لصلة الرحم.

نموذج لعائلة قدم إليهم ضيفاً ، وهذا حالنا نحن المسلمين ، فها هوضيف كريم قد نزل علينا ، إنه ضيف عزيز مبارك قد هل علينا بانفاسه الخاشعة الزكية ، ورحماته المباركة الندية ، إنه شهر القرآن ، إنه شهر القيام والصيام ، إنه شهر الجود والبر والاحسان والعتق من النيران ، إنه شهر رمضان ، في الصحيحين من حديث ابي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ اذا جاء رمضان فتحت ابواب الجنة } وفي لفظ لمسلم { فتحت ابواب الجنة وينادي مناد يا باغي الخير اقبل ويا باغي الشر اقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة حتى ينقضي رمضان ، فهيا بنا في هذا اللقاء الرابع والعشرين لنا في هذا المسجد المباركة نستقرأ حالنا مع ضيفنا ، فصلوا على الحبيب النبي .

أيها السادة : مع استقبالنا لهذا الشهر الفضيل أريد ان الفت انظاركم الى علاقتنا برمضان وصحبتنا له ، فالناس في شهر رمضان ينقسمون الى اقسام متنوعة والى مذاهب شتى والى طرائق قدداً ، فمن الناس من لا يرى في هذا الشهر العظيم اكثر من حرمان لا مبرر له واكثر من تقليد ديني لا فائدة منه ولايتمشى مع تطورات العصر ولا مع معطيات الحضارة ، وهذا القسم من الناس عازم على الافطار مستهزئ بالصائمين ساخر بعقولهم والعياذ بالله .

وقسم آخر من الناس لا يرى في هذا الشهر إلا جوعاً لا تتحمله المعدة وعطشاً لا تقوى عليه مجاري العروق ، وهذا القسم الأخر مفطراً أيضاً وربما مجاهر بإفطاره امام من يعرفه ومن لا يعرفه .

وقسم ثالث يرى هذا الشهر العظيم موسماً للموائد الزاخرة والأطعمة الفاخرة وفرصة جميلة للسهر واللهو واللعب الى بزوغ الفجر ثم النوم العميق الى غروب الشمس ، اللهو واللعب والسمر والسهر الى بزوغ الفجر ثم النوم العميق الى غروب الشمس فإن كان ذا عمل برم بعمله ، وإن كان ذا معاملة ساءت معاملته وساء خلقه .

أما القسم الرابع فهو الذي يرى في هذا الشهر العظيم شيئاً غير هذا كله وأجل من هذا كله ، يرى هذا الشهر العظيم دورة تدريبية لتجديد معان في النفوس من الايثار الرفيع ومن الخلق النبيل ومن الصبر الجميل ومن الطاعة لله ومن الاكثار من الخيرات والمبرات وهؤلاء هم القلة القليلة في المجتمع وقليل ما هم وقليل من عبادي الشكور .

أما القسم الأول الذي لا يرى في شهر رمضان اكثر من حرمان لا مبرر له واكثر من تقليد ديني لا فائدة منه ولا يتمشى مع تطور العصر ولا مع معطيات الحضارة فإننا نحيل هؤلاء الى اطباء الاجسام والنفوس ليحدثوهم عما اكتشفه العلم الحديث من فوائد للصيام لا توجد في شيئ آخر ، لأن الأصل في الأمراض هي المعدة ، مع أن أوامر الله لا تقاس بميزان الاطباء واشتهاءات النفس بل بمقياس سمعنا وأطعنا .

واما الذين انهزمت إرادتهم امام جوع رمضان وامام جوع الصيام وشدته فلم يروا شهر رمضان إلا جوعاً لا تتحمله المعدة وعطشاً لا تقوى عليه مجاري العروق فإنني أذكر هؤلاء أننا في قلب المعركة ، معركة الوجود أو اللا وجود ، وليس الصيام إلا صبر ساعات على أقل مظاهر الحرمان في هذه الحياة آلا وهو الطعام والشراب فمن انهزم امام نفسه فسوف ينهزم امام عدوه ، نحن نعيش في قلب المعركة ، وتداعت علينا الأمم كما تداعى الاكلة الى قصعتهم ، أصبح مصيرنا بيد غيرنا لا بأيدينا ، اصبحنا كرة تلعب بها أقدام اللاعبيين ، وليس الصيام إلا صبر ساعات فمن انهزم امام الجوع امام الصبر على الجوع على الطعام والشراب فسينهزم امام الاعداء بلا شك وبلا ريب ، ولذلك فإن المفطرين هم الساقطون في امتحان الرجولة ، وهم اسباب الهزيمة في المعركة الحقيقية مع الاعداء ، إن اصحاب رسول الله جعلوا من شهر رمضان وجعلوا من الصيام ومن الجوع قوة لهم على اعدائهم ، بعد اعتمادهم الكلي على الله جل وعلا ، به ينتصرون وبه ينتقلون من انتصار الى انتصار ، وما كانت الفتوحات والعزوات الفاصلة إلا في شهر رمضان ، غزوة بدر كانت في رمضان ، فتح مكة كانت في رمضان ، القادسية كانت في رمضان ، وغيرهم وغيرهم .

اما القسم الثالث الذين يجدون في شهر رمضان موسماً للاطعمة ، يصومون ولكنهم يجدون شهر رمضان موسما الاطعمة الفاخرة والموائد الزاخرة وفرصة جميلة للسهر والسمر واللعب الى بزوغ الفجر ، يقضونها في الغيبة والنميمة والبهتان والمحرمات ، ثم النوم العميق الى غروب الشمس اقول لهؤلاء رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه الا السهر والتعب ، ورسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول : { من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } ، أبن آدم خلقت لك كل شيئ فلا تتعب وخلقتك من اجلي فلا تلعب فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له ، وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون .

ليالي رمضان تقضى في الفراغ واللعب والسهر ورسول الله ينادي عليكم بقوله { اغتنم خمسا قبل خمس شبابا قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك } .

وأما القسم الرابع الذين يجدون رمضان موسم الطاعة لله فهؤلاء نرجو جميعا أن نكون منهم ومن عدادهم وأن يحشرنا الله في زمرتهم تحت لواء سيد الانبياء والمرسلين ، فكيف نكون منهم وكيف نستقبل هذا الضيف العزيز شهر الخير والبركة شهر رمضان .

اولاً : تب الى الله ايها الحبيب من جميع المعاصي والذنوب ، أيها المسلم إن أهل الباطل يخططون لكم من الآن ليشغلوا اوقاتكم بالمسلسلات الفاجرة والافلام الداعرة والفوازير الخليعة الماجنة ، فاحذر ايها الحبيب ، وهيا من هذه اللحظة تب الى الله وانت جالس في موضعك ، إرفع اكف الضراعة الى الله بقلب خاشع منيب آواب أن يغفر الله جل وعلا ما مضى لك من الذنوب والأثام ، واعلم بأن الله عزوجل سيفرح الآن بتوبتك سيفرح الآن بعودتك وهو الغني عن العالمين الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية .

دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنويك وابكها يا مذنب

لم ينسـه الملكـــان حين نسيته بل أثبتـــاه وانت لاه تلعب

والروح منك وديعة اودعتـــها ستردها بالرغم منـك وتسلب

وغرور دنيـــاك التي تسعى لها دار حقيقتها متـــاع يذهب

الليل فاعلم والنهار كــــلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحســـب

فيا صاحب الخطايا أين الدموع الجارية ، يا أسير المعاصي آلا تبكي على الذنوب الماضية ، يا متجرئ على الله آلا تخشى من هول القيامة ، تب الى الرحيم الرحمن جل وعلا فما من يوم يمر علينا إلا وينزل الملك جل جلاله الى السماء الدنيا والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث ابي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : ينزل الله ، تنزلا يليق بكماله وجلاله فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير، يتنزل الحق جل وعلا كل ليلة الى السماء الدنيا ثم يقول اذا مضى ثلث الليل الاول يقول جل وعلا { أنا الملك من ذا الذي يدعوني فاستجيب له ، من ذا الذي يستغفرني فاغفرل له ، من ذا الذي يسألني فأعطيه حتى تطلع الشمس } الله ينادي عليك أيها المسلم من ذا الذي يدعوني فاستجيب له ، فهل سيجدك الله وقد وضعت انفك في التراب ذلا لخالقك أم سيراك الله امام المسلسلات أم سيراك أمام الفوازير أم سيراك أمام الافلام ، يا عبد الله والله إن العمر قصير وإن الوقت قليل وإن اقرب غائب تنتظره هو الموت وانت قدر الله لك أن تعيش الى رمضان ولا تضمن أن تعيش الى رمضان المقبل ، فهيا ايها الحبيب تب الى الله ، ففي صحيح مسلم من حديث ابي موسى الاشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها } الله جل في علاه يناديك (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) سورة الزمر ، الله جل في علاه يفرح بتوبتك في الصحيحين من حديث انس بن مالك انه صلى الله عليه وسلم قال { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دورية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده } ابن آدم ربنا يناديك عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله عزوجل : يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة ) رواه الترمذي .

ثانيا : رمضان موسم لرحمة الله ، فلا تحرم نفسك من رحمة الله الرحيم الرحمن ، فالخاسر هو من مر عليه رمضان ولم يفز برحمة الرحيم الرحمن ، ففي الحديث الذي رواه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت انه كان اذا اقبل شهر رمضان كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول { أتاكم رمضان شهر بركة ، يغشاكم الله فيه قينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء وينظر فيه الى تنافسكم بالخير ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من انفسكم ، فإن الشقي من حرم في رمضتن من رحمة الله }

ايها الحبيب فكر في هذا الحديث جيدا من الآن ، هل تتنزل عليك رحمة الله امام المسلسل ، هل تتنزل عليك الرحمة امام الفيلم والمبارة والفوازير ، لا ورب الكعبة ، وإنما تتنزل عليك الرحمة في بيئة الطاعات ، في بيوت رب الارض والسماء ، إن جلست في بيتك وجمعت زوجتك واولادك وجلست تقرا القرآن الكريم ، أو جلست في بيتك تستغفر الله الرحيم الرحمن ، هذه هي البيئة التي تتنزل عليك فيها الرحمات ، فرمضان شهر الرحمات ، فعرض نفسك لرحمات الله ولن تنال رحمة الله إلا إذا كنت على طاعة الله عز وجل .

لذلك أيها الحبيب لا بد لك أن تستغل هذا الشهر الفضيل لكي تكون من عتقاء الله فيها ، حاول أن لا تضيع الوقت ، في رمضان تتزاحم الامور ، لذلك ابدأ من الآن بكتابة أهدافك في رمضان حتى تحققها ولا تتزاحم عليك الاهداف ، تناول ورقة وقلماً وقم بكتابة مخططك في هذا الشهر الفضيل ، وحتى اساعدك في كتابته اقول ، اكتب من ضمن اهدافك

اولاً : أنت والصلاة ، ما حالك مع الصلاة ، اكتب ضمن مخططك في رمضان أن تحافظ على السنن المؤكدة كلها في هذا الشهر الفضيل ، أما الفريضة فليكن هدفك أن تكون جماعة في المسجد وفي الصف الأول ، اكتب هذا الهدف من أولى أهدافك في رمضان .

ثانياً : أنت والقرآن ، انظر الى حالك مع كتاب الله ، كم ختمة ستختمها في هذا الشهر ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: «ألم» حرف، ولكن «ألف» حرف، و»لام» حرف، و»ميم» حرف) – رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله ، ويقول الحبيب صلى الله عليه وسلم ( يُقال لقارئ القرآن: اقرأ وارقَ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أبو داود و الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

ثالثا : أنت والصدقة ، انفق في سبيل الله في هذا الشهر ، لا تبخل ، ولا تخشى الفقر ، ولا تخشى الفاقة ، واعلم انه ما من يوم يمر عليك والحديث في الصحيحين إلا وينزل ملكان الى السماء فيقول الأول : اللهم اعطي متفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم اعطي ممسكاً تلفاً ، ايها المسلم يا من من الله عليك بالاموال لا تنسى الفقراء والمساكين والايتام .

امور كثيرة حاول ان تهذب بها مخططك في هذا الشهر الفضيل ، أنت والدعوة ، أنت وصلة الرحم ، أنت والعلم ، أنت والذكر ، أنت والعمل . نرجو الله العلي القدير أن يوفقنا لصيام شهر رمضان وأن يتقبله منا كما تقبله من حبيبنا النبي صلى الله عليه وسلم .

اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .